محمود سالم محمد

217

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وظلوا على تفضيله ، يؤكدون أن قدره فوق الخلق جميعا ، لذلك حرصوا على إظهار تفرده وإبعاد أي شبه لأخلاقه وفضائله ، فرسول اللّه نسيج وحده ، وهو تجسيد للكمال الإنساني الذي قال عنه الشرف الأنصاري « 1 » : أبان نقص الجميع عنه * لمّا غدا في الكمال مفرد « 2 » وبذلك نجد أن شعراء المديح النبوي قد أجادوا في مديح النبي الكريم بالقيم التقليدية المعروفة عند العرب ، والتي مدحوا بها ساداتهم . لكن هذه المعاني التقليدية أخذت طابعا خاصا في المدائح النبوية ، وأصبح لها وهج خاص عند مدح رسول اللّه بها ، فسمت عند نسبتها إليه ، فكأنها غادرت تقليديتها ، واكتسبت خصوصية وقداسة فالشعراء افتنّوا في عرضها ، وفي الذهاب بها إلى الغاية التي يعرفونها عند البشر ، دون أن يحذروا الوقوع في المبالغة المفرطة ، لأنهم مهما غالوا في هذه القيم ، ستظل مغالاتهم قاصرة عن الوصول إلى المرتبة التي يحتلها النبي الكريم . فلم يبق المدح التقليدي تقليديا ، ولا يصح مثلا أن نقتطع مقطعا من هذا المدح ، ونقوله في إنسان آخر غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما يمكن أن يحدث في مدح غيره . ولم يكن المدح بالقيم التقليدية في المدائح النبوية أثناء العصر المملوكي متطابقا مع المدح التقليدي الذي مدح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته ، لأن الشعراء باتوا يدركون مفهوم النبوة ، ويعرفون قدر النبي الأمين حق المعرفة ، فمدحهم وإن كان يأخذ الجانب الإنساني من شخصية الرسول الفريدة ، كان يراعي الجانب الروحي والنبوي ومكانته الدينية ، وكان في غالب الأحيان مختلطا به ، ويصعب الفصل في مدحهم بين الجانب الديني والجانب الدنيوي ، وما كان الفصل إلا مفتعلا لتسهيل الدراسة ، وبيان ألوان المديح النبوي في المدائح النبوية خلال العصر المملوكي .

--> ( 1 ) الشرف الأنصاري : عبد العزيز بن محمد بن عبد الحسن ، برع في العلم والأدب ، وكان شيخ شيوخ حماة ، له ديوان شعر ، توفي سنة ( 662 ه ) . ابن شاكر : فوات الوفيات 2 / 354 . ( 2 ) ديوان الشرف الأنصاري : ص 149 .